علم نفس العمل

علم نفس العمل

علم نفس العمل

علم نفس العمل فرع من علم النفس التطبيقي، يدرس الإنسان داخل بيئة العمل: كيف يفكر، كيف يتصرف، وما الذي يجعله ينتج أكثر أو أقل من زميله. يشتغل هذا المجال على جانبين أساسيين: الموارد البشرية، يعني كل الأفراد العاملين داخل المؤسسات والمنظمات، وبيئة العمل، بما تحتويه من فضاءات وأدوات وآلات وسيرورات إنتاج. هدفه الأساسي تحقيق توافق بين الفرد ومهنته، توافق ينعكس على الإنتاجية والصحة النفسية وجودة الأداء في آن واحد.

ما هو علم نفس العمل؟

هو فرع من فروع علم النفس يهتم بدراسة سلوك وأداء الأفراد داخل بيئة العمل. يحاول المختصون في هذا المجال معرفة الأسباب التي تجعل موظفا ينتج أكثر من زميله، أو تدفع آخر للشعور بالإرهاق بعد أشهر قليلة فقط من التحاقه بعمله الجديد. يمتد اهتمامه أيضا لتحليل صفات الشخصية والقدرات والمهارات التي تتطلبها وظيفة معينة، وتأثير العوامل البيئية والاجتماعية على أداء الموظف وسلوكه.

يختلف عمل أخصائي علم نفس العمل عن عمل مدير الموارد البشرية، رغم التداخل بينهما. بينما يركز مدير الموارد البشرية على الإجراءات اليومية كالتوظيف والرواتب والعقود، يهتم الأخصائي النفسي بفهم أعمق: لماذا يشعر فريق كامل بالإحباط رغم تحقيقه لأهدافه؟ لماذا يرفض بعض الموظفين الترقية رغم كفاءتهم؟ أسئلة من هذا النوع تحتاج أدوات تحليل نفسي أدق من مجرد استبيان رضا سنوي.

المجال الأول: الموارد البشرية

(كل الأفراد العاملين بالمؤسسات والمنظمات والمعامل والشركات...)

هنا يهتم علم نفس العمل باختيار الشخص المناسب للمهمة المناسبة، ومساعدته على الاندماج داخل المؤسسة، ومتابعة تطوره المهني، وقياس إنتاجيته من حيث الكم والكيف. يهتم أيضا بصحته النفسية والجسدية، وباستعداداته وكفاءاته ودوافعه. حتى العلاقة مع الزملاء تدخل ضمن هذا الاهتمام: هل يقدر الموظف يشتغل ضمن فريق؟ هل يتواصل بسهولة مع المجموعة؟ الصراعات والتوتر والاتكالية والغياب كلها سلوكيات تعيق الأداء الجماعي، وعلم نفس العمل يحاول فهم أسبابها قبل معالجتها، لا بعد أن تتحول إلى أزمة داخل الفريق.

حين يُدار هذا الجانب بشكل جيد، تقل النزاعات الداخلية ويشعر الموظف بأن مساره المهني واضح أمامه، لا مجرد وظيفة يقضي فيها وقته دون هدف.

المجال الثاني: بيئة العمل

في هذا الجانب، يهتم علم نفس العمل بتحديد المهام وهيكلتها وإسنادها لمن يملك الكفاءة المناسبة لها. يدرس ظروف العمل وتأثيرها على العاملين: الإضاءة، الحرارة، الرطوبة، التهوية، الضوضاء. يحلل أيضا علاقة الإنسان بالتقنيات الحديثة، سؤال أصبح أكثر إلحاحا اليوم مع دخول الأتمتة والذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل. وأخيرا يهتم بشروط الأمن والسلامة المهنية، لأن حادث عمل واحد يمكن أن يكلف المؤسسة خسائر مادية وبشرية يصعب تعويضها، مهما كان حجمها.

بيئة العمل الملائمة تنعكس على جودة العمل نفسه: إنتاجية أعلى، كفاءة أفضل، ورضا عام أكبر لدى العاملين. الاستثمار فيها ليس ترفا إداريا، بل خطوة عملية تنعكس على أداء المؤسسة بأكملها.

جذور علم نفس العمل: كيف بدأ؟

بداية القصة كانت بين 1900 و1916، داخل المصانع لا داخل الجامعات. المصانع في تلك الفترة كانت تعاني من انخفاض الإنتاجية وتعطل متكرر في خط الإنتاج، والحل جاء من مهندس اسمه فريدريك تايلور. تايلور لم يكن عالم نفس، كان مهندسا يحسب بالساعة والدقيقة الوقت الذي يحتاجه كل عامل لإنجاز حركة معينة، ثم يعيد تصميم المهمة على أساس ذلك. أسلوبه ركز على تخطيط العمل وتحليل المهام واختيار العمال المناسبين وتوحيد طريقة الأداء.

بعده جاء إلتون مايو بفكرة مختلفة تماما: العامل ليس آلة. أظهرت أبحاثه أن الترقية والأجور وظروف العمل الفيزيقية والأمن الوظيفي والمناخ النفسي، كلها عوامل تؤثر في الأداء، أحيانا أكثر من الحافز المادي نفسه. في نفس الفترة تقريبا، اشتغل هوغو مونستربرغ على ربط علم النفس بالمجال الصناعي مباشرة، من خلال أساليب لتحليل المهن والكفاءات واختيار الشخص الأنسب لكل وظيفة.

بين 1917 و1945 تغير المسار: الجيوش هي التي احتاجت هذا العلم. استُخدمت الاختبارات النفسية لقياس القدرات العقلية والانفعالية والسمات الشخصية عند اختيار القادة والضباط والطيارين والجنود. بعد الحرب، انتقلت نفس الاختبارات إلى الشركات، وأصبحت وسيلة معتادة لاختيار الموظف المناسب لكل منصب.

من سنة 1946 تقريبا، أخذ التخصص اسمه الحالي: علم نفس العمل والتنظيمات. لم يعد مقتصرا على المصانع، وامتد ليشمل القطاعات الصناعية والتجارية والإدارية والتربوية.

أبرز المواضيع التي يشتغل عليها

في التوظيف، دور الأخصائي هو توجيه الأفراد نحو المهن التي تناسب قدراتهم وميولهم فعلا، لا مجرد ملء شاغر فارغ. يعتمد على اختبارات ومقابلات، ويحتاج أن يعرف متطلبات سوق العمل بدقة، لأن الفجوة بين طموح الشخص وكفاءته الحقيقية غالبا ما تنتهي بفشل مهني، لصاحب العمل وللموظف معا.

القياس النفسي جزء أساسي من هذا العمل: اختبارات مصممة لقياس الذكاء والقدرات المعرفية والمهنية، والميول والدوافع، وسمات الشخصية، والقدرة على تحمل الضغط، والتوافق الاجتماعي. النتيجة ليست حكما نهائيا على الشخص، لكنها تساعد في اتخاذ قرار توظيف أو توجيه أقرب للصواب.

التكوين المهني يمتد قبل الالتحاق بالعمل وأثناءه، سواء داخل مراكز تكوين متخصصة أو داخل المؤسسة نفسها. والضغط النفسي محور اهتمام كبير: أسبابه أحيانا شخصية، مثل ضعف القدرة على تحمل أعباء العمل، وأحيانا مهنية، مثل بيئة عمل سيئة أو ساعات عمل طويلة بلا فترات راحة كافية. علم نفس العمل يحاول تحديد هذه الأسباب قبل أن تتحول إلى استنزاف كامل يدفع الموظف للاستقالة أو المرض.

عوامل الإنتاج نفسها تدخل في الحسبان. الإضاءة والحرارة والرطوبة والتهوية والضوضاء تؤثر على تركيز العامل أكثر مما يتصور كثيرون. عدد ساعات العمل وفترات الراحة تؤثر بنفس القدر. وحتى التعب والملل وضعف الدافعية والصراعات بين الزملاء تدخل ضمن هذه المعادلة. وأخيرا حوادث العمل والأمراض المهنية: التعرف على مصادر الخطر مبكرا أرخص بكثير، ماديا وإنسانيا، من التعامل مع حادث بعد وقوعه.

علم نفس العمل ليس حكرا على الشركات الكبرى أو المصانع. مدرسة تراجع جدول توقيت معلميها، أو مستشفى يعيد تنظيم نوبات ممرضيه، يطبق مبادئ الميدان نفسه دون أن يسميها كذلك. في النهاية، أي مكان يجتمع فيه أشخاص لإنجاز عمل مشترك يحتاج فهما لما يحفزهم وما يستنزفهم، وهذا بالضبط ما يشتغل عليه هذا الفرع من علم النفس.

بقلم: علي الزاهد

مكتبتي العلمية
مكتبتي العلمية