مشكلات تدريس الرياضيات في المدرسة الابتدائية من أين يبدأ الحل؟

مشكلات تدريس الرياضيات في المدرسة الابتدائية التونسية
من أين يبدأ الحل؟

مشكلات تدريس الرياضيات في المدرسة الابتدائية من أين يبدأ الحل؟

أنا كمعلم تونسي، أجد نفسي أحيانًا أمام سؤال بسيط في ظاهره، لكنه ليس سهلًا في الواقع: لماذا يجد بعض تلاميذنا صعوبة كبيرة في الرياضيات؟

قد يبدو الجواب سهلًا: التلميذ لم يراجع، أو لم يحفظ جدول الضرب، أو لم يفهم الدرس. لكن عندما نعيش يوميًا داخل القسم، نكتشف أن المسألة أعقد من ذلك بكثير.

الرياضيات في المدرسة الابتدائية ليست مجرد عمليات نجمعها ونطرحها ونضربها ونقسمها. نحن نريد من الطفل أن يفهم، وأن يفكر، وأن يقارن، وأن يكتشف الخطأ، وأن يبحث عن طريقة للحل. وهذا يتطلب وقتًا، وتدرجًا، ووسائل، وتكوينًا، وقبل ذلك كله تلميذًا يمتلك الحد الأدنى من المكتسبات التي تسمح له ببناء تعلم جديد وحل المشكلات.

لكن هل هذا هو واقع أقسامنا دائمًا؟

أحيانًا أبدأ درسًا جديدًا قبل أن أعالج القديم

من أكثر ما يرهقني كمعلم رياضيات أن أجد أمامي تلاميذ في المستوى نفسه، لكنهم ليسوا في المستوى نفسه من حيث المكتسبات فهم أنماط من التلاميذ داخل الفصل.

قد يكون أحدهم قادرًا على إجراء عملية الضرب بسرعة، بينما لا يزال زميله يعاني في فهم معنى الضرب أصلًا. وقد يستطيع تلميذ قراءة عدد كبير، لكنه لا يتمكن من تفكيكه أو مقارنته بغيره. وفي السنة الخامسة أو السادسة قد تظهر فجوة قديمة في الحساب أو القياس أو فهم المسألة، ثم تصبح هذه الفجوة عائقًا أمام تعلم مفاهيم جديدة.

وهنا أجد نفسي أمام مشكلة حقيقية.

هل أواصل البرنامج كما هو؟ أم أتوقف لمعالجة التعثر؟

إذا توقفت كثيرًا، أخشى ألا أتمكن من إنهاء البرنامج. وإذا واصلت، أعرف أن بعض التلاميذ سيتابعون الدرس وهم لا يمتلكون الأدوات الأساسية لفهمه.

وهذا واحد من أصعب التوازنات التي يعيشها معلم الرياضيات يوميًا.

القسم ليس دائمًا مكانًا سهلًا للتعلم

عندما يكون عدد التلاميذ مرتفعًا، تصبح متابعة كل طفل على حدة أمرًا صعبًا جدًا.

في الرياضيات تحديدًا، لا يكفي أن أشرح المثال على السبورة ثم أسأل: «فهمتم؟».

قد يجيب التلاميذ بنعم، لكن عندما أوزع التمارين أكتشف أن بعضهم لم يفهم الفكرة أصلًا.

والأصعب أن الخطأ نفسه قد تكون له أسباب مختلفة.

تلميذ أخطأ لأنه لم يفهم نص المسألة، وآخر فهم المطلوب لكنه اختار العملية الخطأ، وثالث اختار العملية المناسبة لكنه أخطأ في الحساب، ورابع يعرف الحل لكنه لا يستطيع تفسيره.

كل واحد من هؤلاء يحتاج إلى تدخل مختلف، وهذا يحتاج إلى وقت لا يتوفر دائمًا داخل حصة محدودة.

الرياضيات أصبحت عند بعض الأطفال مادة «صعيبة»

من العبارات التي أسمعها كثيرًا من التلاميذ: «الرياضيات صعيبة». وأحيانًا يقولها الطفل قبل أن يبدأ في المحاولة.

المشكلة أن الطفل عندما يقتنع مسبقًا بأنه لا يستطيع، يصبح الخطأ بالنسبة إليه دليلًا على عجزه، وليس فرصة للتعلم.

وقد يأتي هذا الشعور من تجربة سابقة، أو من كثرة المقارنة مع الآخرين، أو من الضغط الذي يعيشه في البيت، أو حتى من الطريقة التي نتحدث بها نحن الكبار عن الرياضيات أمامه.

أنا لا أريد من التلميذ أن يحب الرياضيات لأنني أقول له إنها جميلة. أريده أن يشعر بأنه قادر على فهمها.

حين ينجح طفل كان يعتقد أنه لا يستطيع حل مسألة، تتغير نظرته إلى نفسه قبل أن تتغير نظرته إلى المادة.

وهذه لحظة تربوية لها قيمة كبيرة.

المشكلة لا تظهر دائمًا في العمليات

قد يكون التلميذ ممتازًا في إجراء العمليات، ثم يتوقف أمام مسألة بسيطة. وهنا يتضح الفرق بين معرفة العملية وفهم الوضعية.

عندما أقول للتلميذ:

45 + 27 = ؟

قد يجد الحل بسهولة.

لكن عندما أضع العددين داخل وضعية حقيقية، يصبح عليه أن يقرأ، ويفهم، ويحدد المعطيات، ويعرف المطلوب، ثم يقرر ماذا سيفعل. وهنا تبدأ الرياضيات الحقيقية.

نحن لا نريد أن يحفظ الطفل أن كلمة «بقي» تعني الطرح، أو أن كلمة «في كل» تعني الضرب. نريد أن يتعلم كيف يفكر في الوضعية ويختار العملية المناسبة بناء على المعنى.

وهذا يحتاج إلى تدريب طويل ومتدرج، وليس إلى حل عشرات المسائل بالطريقة نفسها.

أربعة أنواع من التلاميذ في التعامل مع الوضعيات الرياضية

عندما نتحدث عن التلاميذ الذين يجيدون القراءة، نجد أنهم لا يتعاملون جميعًا مع الوضعية الرياضية بالطريقة نفسها. ويمكن أن نميز بينهم أربعة أنماط واضحة:

الأول: التلميذ الذي لا يحاول أصلًا

هذا التلميذ لا يبذل أي مجهود لفهم ما يُطلب منه. قد لا يكلف نفسه حتى عناء قراءة التمرين أو الوضعية، بل ينتظر الإصلاح، ثم ينقل ما يكتبه المعلم على السبورة كما هو، دون أن يفهم ما كتب أو لماذا كُتبت تلك العمليات.

الثاني: التلميذ الذي يحاول مرة واحدة فقط

يقرأ الوضعية مرة واحدة، فإذا لم يفهمها من القراءة الأولى يتوقف عن المحاولة، ولا يعود إلى قراءتها من جديد بحثًا عن المعنى أو لفك رموزها وتحديد المطلوب والمعطيات. وسرعان ما يردد: «ما فهمتش»، وكأن عدم الفهم من القراءة الأولى يعني استحالة فهم الوضعية.

الثالث: التلميذ الذي يرى الأعداد ولا يرى الوضعية

هذا التلميذ بمجرد أن تقع عيناه على الأرقام، يبدأ مباشرة في إجراء العمليات: جمع، طرح، ضرب أو قسمة، دون أن يقرأ السؤال أو يبحث عن العلاقة بين المعطيات والمطلوب.

وأشبه هذا التلميذ بطفل تعطيه دينارًا وتقول له: «اذهب إلى الحانوت»، فينطلق مسرعًا دون أن يسأل: ماذا سأشتري؟ فهو يعرف أن معه دينارًا، ويعرف أنه ذاهب إلى الحانوت، لكنه لا يعرف الهدف من ذهابه.

الرابع: التلميذ الذي يتعامل مع الوضعية باعتبارها مشكلة تحتاج إلى فهم

يقرأ الوضعية بهدوء، ويعيد قراءتها عند الحاجة، ويحاول فهم المعطيات وتحديد المطلوب، ثم يبحث عن العلاقة بينهما ويختار العملية المناسبة قبل أن يبدأ في الإنجاز. إنه لا ينطلق من الأعداد إلى العمليات، وإنما ينطلق من فهم الوضعية إلى اختيار العملية، ثم إلى الحل والتحقق من النتيجة.

وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين التلميذ الذي يقرأ والتلميذ الذي يفهم ما يقرأ؛ فالقراءة في الرياضيات ليست مجرد نطق الكلمات، وإنما هي وسيلة لفهم الوضعية وتحليلها وتحويلها إلى خطة للحل.

البرنامج والزمن… معادلة ليست سهلة

المعلم مطالب بإنجاز برنامج محدد، لكنه مطالب في الوقت نفسه بأن يراعي الفروق الفردية، ويعالج التعثر، ويشرح، ويجعل التلميذ يتدرب، ثم يقوّم مدى فهمه.

أحيانًا أشعر أنني أمام خيارين: إما أن أواصل السير مع البرنامج، وإما أن أعطي التلاميذ الوقت الذي يحتاجونه فعلًا.

وفي الواقع، الطفل لا يتعلم لأن المعلم أنهى الدرس في الوقت المحدد. قد أنهي درسًا كاملًا حسب التخطيط، لكنني أعرف في داخلي أن عددًا من التلاميذ لم يتمكنوا بعد من امتلاك المفهوم.

لذلك أعتقد أن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم بقي من البرنامج؟

بل أيضًا: كم فهم التلاميذ مما قدمناه؟

السبورة وحدها لا تكفي دائمًا

في بعض الدروس، أستطيع أن أشرح بالسبورة والكراس، لكن هناك مفاهيم تصبح أوضح بكثير عندما يراها الطفل أو يلمسها أو يتعامل معها.

الهندسة مثال واضح. عندما أشرح شكلًا هندسيًا بالكلام فقط، قد يبدو الأمر مجرد تعريفات. لكن عندما يستعمل الطفل المسطرة، ويرسم، ويقارن، ويقيس، ويقص شكلًا أو يعيد تركيبه، يصبح المفهوم أقرب إليه.

والشيء نفسه ينطبق على الكسور والقياس والنقود والتمثيلات البيانية وغيرها.

لذلك نحن بحاجة إلى وسائل تعليمية حقيقية ومتاحة داخل المدرسة، وليس إلى الحديث عن التكنولوجيا والوسائل الحديثة فقط.

ولا أعتقد أن الحل هو تحويل كل حصة إلى عرض على شاشة. الوسيلة مهما كانت متطورة لا تعوض المعلم، وإنما تساعده عندما توظف في المكان المناسب.

ماذا عن تكوين المعلم؟

المعلم نفسه يحتاج إلى التعلم باستمرار. وهذا لا يعني أن المعلم لا يعرف كيف يدرس، وإنما يعني أن المهنة تتغير، والمشكلات التي نواجهها داخل الأقسام تتغير أيضًا.

أنا شخصيًا أحتاج إلى تكوين يجيبني عن أسئلة أواجهها فعلًا:

كيف أساعد تلميذًا لديه تعثر قديم؟

كيف أتعامل مع قسم توجد فيه فروق كبيرة بين التلاميذ؟

كيف أجعل التلميذ يكتشف المفهوم بدل أن أقدمه له جاهزًا؟

كيف أستفيد من الخطأ في معرفة طريقة تفكير الطفل؟

كيف أقوّم الفهم وليس النتيجة فقط؟

وكيف أوظف لعبة أو نشاطًا أو وسيلة رقمية دون أن تتحول إلى مجرد ترف داخل الحصة؟

التكوين الذي ينطلق من هذه الأسئلة سيكون أكثر فائدة للمعلم من تكوين نظري ينتهي بمجرد مغادرة قاعة التكوين.

الولي شريك… لكنه قد يصبح مصدر ضغط دون قصد

لا يمكن للمدرسة أن تقوم بكل شيء وحدها. الولي له دور أساسي، لكن مساعدته لطفله ينبغي أن تكون في الاتجاه الصحيح.

أحيانًا يكون الطفل مطالبًا بحل عدد كبير من التمارين في البيت، والهدف الوحيد هو الحصول على علامة أفضل. وقد يسأل الولي ابنه باستمرار: «كم تحصلت؟»

بينما أرى أن السؤال الأهم هو: «ماذا فهمت؟ أين وجدت الصعوبة؟ كيف فكرت؟»

الطفل لا يحتاج دائمًا إلى شخص يحل له التمرين. يحتاج إلى من يساعده على التفكير، ويشجعه عندما يخطئ، ويجعله يفهم أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم.

هل التقويم يخبرنا فعلًا بما فهمه الطفل؟

هذه مسألة تستحق النقاش أيضًا.

قد يحصل تلميذ على نتيجة جيدة لأنه تدرب كثيرًا على نموذج معين من التمارين، لكنه يجد صعوبة عندما تتغير الوضعية قليلًا.

لذلك أرى أن تقويم الرياضيات ينبغي أن يكشف أكثر من قدرة الطفل على إعطاء النتيجة النهائية. نريد أن نعرف:

هل فهم المطلوب؟

هل اختار الاستراتيجية المناسبة؟

هل يستطيع تفسير ما قام به؟

هل يستطيع اكتشاف خطئه؟

هل يستطيع استعمال المكتسبات في وضعية جديدة؟

هذا لا يعني التخلي عن الحساب والعمليات، فهي أساس مهم في الرياضيات، وإنما يعني ألا نجعل النتيجة وحدها هي المقياس الوحيد للفهم.

وهناك جانب لا يراه التلميذ: عمل المعلم خارج القسم

عندما تنتهي حصة الرياضيات، لا ينتهي عمل المعلم. هناك التحضير، وتصحيح الأعمال، وإعداد التمارين، ومتابعة التلاميذ المتعثرين، وإعداد التقويمات، والتخطيط للدروس القادمة، إلى جانب الأعمال الإدارية المختلفة.

وأحيانًا يكون أكثر ما يحتاجه المعلم هو الوقت: وقت يفكر فيه في درس الغد، ووقت يبحث فيه عن نشاط مناسب، ووقت يتابع فيه تلميذًا متعثرًا، ووقت يصحح فيه أعمال التلاميذ بعناية.

لذلك فإن الحديث عن تحسين تدريس الرياضيات يجب ألا يحمّل المعلم وحده كل المسؤولية. ظروف العمل نفسها تؤثر في جودة ما يستطيع المعلم تقديمه.

المشكلة أكبر من المعلم والتلميذ

عندما تكون نتائج التلاميذ ضعيفة، يكون من السهل أن نبحث عن شخص نحمّله المسؤولية. لكن تجربتي داخل القسم تجعلني أرى الصورة بشكل مختلف.

المشكلة ترتبط بالتلميذ ومكتسباته، وبالمعلم وتكوينه، وبعدد التلاميذ، وبالزمن المدرسي، وبالبرنامج، وبالوسائل، وبالأسرة، وبالتقويم، وبالظروف الاجتماعية أيضًا. ولهذا فإن إصلاح عنصر واحد لن يكون كافيًا.

نحتاج إلى تشخيص التعثرات مبكرًا، وإلى دعم حقيقي للتلاميذ الذين يحتاجون إليه، وإلى وسائل مناسبة، وإلى تكوين عملي للمعلمين، وإلى تعاون أكبر بين المدرسة والأسرة.

وفي القسم يمكننا نحن المعلمين أن نبدأ بأشياء بسيطة: أن نستعمل المحسوس قبل الانتقال إلى المجرد، وأن نعطي الطفل فرصة ليكتشف، وأن نجعل الخطأ موضوعًا للنقاش بدل أن يكون سببًا للعقاب، وأن ننوع الأنشطة، وأن نطرح وضعيات مرتبطة بحياة الطفل، وأن نعطي أهمية لطريقة التفكير بقدر أهمية النتيجة.

وقد يكون تبادل التجارب بين المعلمين داخل المدرسة نفسها من أنفع أشكال التكوين. فالمعلم الذي جرب نشاطًا ونجح معه، أو اكتشف طريقة لمعالجة صعوبة معينة، يستطيع أن يقدم لزميله شيئًا عمليًا يمكن استعماله في القسم مباشرة.

ماذا أريد لمعلم الرياضيات في المدرسة الابتدائية؟

أنا كمعلم تونسي لا أريد أن يُنظر إلى معلم الرياضيات باعتباره شخصًا مطالبًا فقط بإنهاء البرنامج. أريده أن يكون قادرًا على الملاحظة والتجريب والتعديل، وأن يجد الوقت والوسائل والتكوين الذي يساعده على تطوير عمله.

أريد لتلميذي أن يدخل حصة الرياضيات دون خوف من الخطأ. أريده أن يسأل عندما لا يفهم، وأن يجرب طريقة جديدة، وأن يكتشف أن الخطأ لا يعني أنه فاشل.

وعندما أرى تلميذًا كان يقول لي في بداية السنة: «ما نعرفش الرياضيات»، ثم أراه بعد فترة يحاول حل مسألة بمفرده ويكتشف الحل، أشعر أنني حققت شيئًا أهم من إنهاء صفحة من الكتاب أو تسجيل علامة جيدة في دفتر النتائج.

في تلك اللحظة أفهم لماذا اخترت هذه المهنة.

الرياضيات التي نريدها لأطفالنا ليست مجرد أعداد وعمليات وقواعد محفوظة. نريدها رياضيات تجعل الطفل يفكر، ويسأل، ويجرب، ويخطئ، ويصحح، ثم يصل إلى الحل بنفسه.

وهذا لن يتحقق بإلقاء المسؤولية على المعلم وحده.

المعلم يحتاج إلى الدعم، والتلميذ يحتاج إلى الوقت والفهم، والمدرسة تحتاج إلى ظروف أفضل حتى تستطيع أن تؤدي دورها.

وأعتقد أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: «لماذا يعجز بعض التلاميذ عن تعلم الرياضيات؟»

بل: «ماذا يمكن أن نفعل نحن، كمدرسة ومربين وأولياء، حتى تصبح الرياضيات أقرب إلى الطفل وأكثر قابلية للفهم؟»

بقلم: علي الزاهد

مكتبتي العلمية
مكتبتي العلمية