الفرق بين صعوبات التعلم وفرط الحركة عند الأطفال

الفرق بين صعوبات التعلم وفرط الحركة عند الأطفال

لماذا يختلط الأمر على المعلمين والأولياء؟

تلميذ لا ينجز المهمة في الوقت المحدد. المعلم يراه شارد الذهن، والأم تلاحظ أنه يتعب في الواجبات، والأب يظن أنه لا يبذل جهدا. قد يكون السبب صعوبة في التعلم، وقد يكون اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وقد يكون الاثنان معا. والنتيجة الظاهرة تكاد تكون واحدة: درجات ضعيفة ودفاتر ناقصة وشكاوى متكررة.

لهذا يبقى الفرق بين صعوبات التعلم وفرط الحركة سؤالا عمليا يواجهه المعلم كل أسبوع. الجواب يغير طريقة المساعدة. طفل لا يقدر على فك رموز الكلمات يحتاج تدريسا مختلفا عن طفل يعرف القراءة لكنه لا يبقى جالسا حتى ينهي الصفحة. وإذا خلطنا الحالتين، قدمنا الدعم في المكان الخطأ.

تنبيه: هذا المقال للتوعية والفهم التربوي. لا يصلح لتشخيص طفل بعينه، ولا يكفي أن تلاحظ عرضا واحدا لتحكم بوجود اضطراب. التشخيص يقوم به مختصون بعد تقييم منظم.

صعوبات التعلم عند الأطفال: ماذا تعني؟

يستعمل المربون عبارة «صعوبات التعلم» بمعنيين. الأول واسع ويشمل أي طفل يتعثر في تحصيله لسبب ما. الثاني دقيق ويسمى اضطراب التعلم المحدد، وهو حالة نمائية عصبية تظهر في سنوات الدراسة الأولى وتجعل اكتساب القراءة أو الكتابة أو الحساب أصعب بكثير مما يُنتظر في سن الطفل، دون أن يفسرها ضعف في السمع أو البصر أو نقص في التدريس.

الصعوبة التعليمية العامة واضطراب التعلم المحدد

الصعوبة العامة لها أسباب كثيرة: غياب متكرر، أو تغيير المدرسة، أو لغة تدريس لا يتقنها الطفل، أو نظر ضعيف، أو قلة نوم، أو ضغوط في البيت. حين يزول السبب يتحسن الطفل في الغالب. أما اضطراب التعلم المحدد فيستمر رغم المساعدة الموجهة، وتستند الجهات المختصة في تشخيصه إلى أن الصعوبة بقيت ستة أشهر على الأقل رغم التدخل.

أعراض صعوبات التعلم في القراءة والكتابة والرياضيات

  • القراءة (عسر القراءة): قراءة بطيئة ومتقطعة، وتخمين للكلمات بدل فك حروفها، وخلط بين حروف متشابهة مثل حرف (ب)و (ت) و (ث) أو حرف (د) وحرف (ذ). وقد يفهم الطفل النص حين يسمعه ولا يفهمه حين يقرؤه.
  • الكتابة (عسر الكتابة): خط غير منتظم، وأخطاء إملائية كثيرة ومتكررة، وصعوبة في ترتيب الكلمات على السطر.
  • الحساب (عسر الحساب): صعوبة في حفظ الجداول وفي فهم معنى العدد، وأخطاء متكررة في الجمع والطرح مع الاحتفاظ، وتعثر في مسائل الكلمات.

في هذه الحالات يبدو الطفل منتبها ويبذل جهدا حقيقيا، ويزداد تعبه كلما اقترب من المهارة التي يجد فيها العقبة.

فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)

اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ويُعرف اختصارا بـ ADHD، اضطراب نمائي يتميز بنمط مستمر من تشتت الانتباه و/أو فرط النشاط والاندفاعية، ويتعارض مع أداء الطفل ونموه. ويشترط الدليل التشخيصي والإحصائي للجمعية الأمريكية للطب النفسي (DSM-5) أن تظهر عدة أعراض قبل سن 12 سنة، وأن تستمر ستة أشهر على الأقل، وأن تُلاحظ في بيئتين على الأقل، مثل البيت والمدرسة.

أعراض فرط الحركة الأساسية

  • تشتت الانتباه: ينسى أدواته، ويترك المهمة نصف منجزة، ويرتكب أخطاء سهو، ويبدو كأنه لا يسمع حين تخاطبه مباشرة.
  • فرط النشاط: يتحرك في مقعده، ويغادر مكانه، ويتكلم كثيرا، ويجد صعوبة في اللعب بهدوء.
  • الاندفاعية: يجيب قبل أن يكتمل السؤال، ويقاطع زملاءه، ولا يحتمل انتظار دوره.

الأعراض تختلف من طفل إلى آخر. بعض الأطفال يغلب عليهم تشتت الانتباه ولا يزعجون القسم بحركتهم، فيمر أمرهم دون أن يلاحظهم أحد. وبعضهم يغلب عليه فرط النشاط والاندفاعية، وبعضهم يجمع النمطين.

الفرق بين صعوبات التعلم وفرط الحركة

باختصار، صعوبة التعلم تخص مهارة أكاديمية محددة، أما فرط الحركة فيخص تنظيم الانتباه والنشاط والاندفاع في معظم المهام. يلخص الجدول التالي أبرز الفروق، ثم نفصلها بعده.

مقارنة بين صعوبات التعلم المحددة واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه
المعيارصعوبات التعلم المحددةفرط الحركة وتشتت الانتباه
طبيعة الاضطرابصعوبة في معالجة مهارة أكاديمية معينة: القراءة أو الكتابة أو الحسابصعوبة في تنظيم الانتباه والنشاط والاندفاع
أبرز الأعراضأخطاء متكررة في القراءة أو الإملاء أو الحسابشرود، وحركة زائدة، واندفاع، ونسيان
الانتباهيتركز عادة، ويتعب من الجهد المبذوليتذبذب، وقد يتركز جيدا في نشاط يحبه
الأثر في التحصيلتراجع في المادة أو المواد المرتبطة بالمهارةتراجع متفاوت في مواد عدة لأن التمارين لا تكتمل
السلوك داخل القسمقد يتجنب القراءة بصوت عال أو الكتابة حرجا من الخطأيقاطع، ويغادر مقعده، ويتكلم دون إذن
التقييماختبارات تربوية ونفسية في القراءة والكتابة والحسابمقابلة سريرية ومقاييس ملاحظة يملؤها الأولياء والمعلمون
التدخلتدريس علاجي موجه للمهارة وتكييف شروط الاختبارتنظيم بيئة القسم، وتدريب سلوكي، وأحيانا علاج دوائي بقرار الطبيب

الأثر في التحصيل والسلوك داخل القسم

تلميذ يعاني من عسر القراءة قد يتفوق في المشاركة الشفوية وفي الإيقاظ العلمي حين تصله المعلومة بالسمع، ثم ينهار أداؤه عندما يُطلب منه نص مكتوب. أما تلميذ ADHD فأداؤه يتأرجح بحسب المهمة: ينجح حين تكون قصيرة وممتعة، ويفشل حين تطول وتتكرر. في الحالة الأولى يتجنب الطفل ما يعجز عنه. وفي الثانية يعجز عن البقاء في ما يعرفه.

التقييم والتدخل التربوي

لا يكفي اختبار واحد ولا مقياس واحد في الحالتين. تقييم صعوبات التعلم يقارن أداء الطفل في مهارة معينة بما يُنتظر في سنه، ويستبعد أولا مشكلات السمع والبصر. وتقييم ADHD يجمع ملاحظات من البيت والمدرسة معا، ويقوم به طبيب أو أخصائي مدرب. ويختلف التدخل أيضا: مع صعوبات التعلم يكون الدعم تعليميا مركزا على المهارة الناقصة، ومع ADHD يبدأ بتنظيم المحيط والتعليمات والمكافآت، وقد يضيف الطبيب علاجا دوائيا عند الحاجة.

أوجه التشابه والتداخل بين الحالتين

بعض السلوكيات تتكرر عند الأطفال في الحالتين: التهرب من الواجب، ونسيان التعليمات، وإهمال الدفتر، وضعف الثقة بالنفس. طفل يلعب بقلمه لأن القراءة تتعبه قد يبدو مثل طفل لا يستطيع التركيز. وطفل يتكلم مع جاره لأنه لم يفهم الدرس قد يبدو مثل طفل مندفع.

ويجتمع الاضطرابان عند بعض الأطفال. فقد أشار المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية (NIMH) إلى أن المصابين بـ ADHD كثيرا ما تصاحبهم حالات أخرى، منها صعوبات التعلم. ويمكنك قراءة المزيد في صفحة المعهد عن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تشابه السلوك لا يعني تطابق التشخيص. السلوك الواحد قد تصنعه أسباب مختلفة، ولهذا نبحث عن السبب قبل أن نختار الحل، ونتأكد من الفرق بين ADHD وصعوبات التعلم قبل أن نكتب أي حكم في الملف.

ثلاث حالات افتراضية من القسم والمنزل

الحالات التالية افتراضية، كتبناها لتوضيح الفكرة فقط. لا تمثل أطفالا حقيقيين، ولا تؤكد تحليلاتها وجود تشخيص.

الحالة الأولى: ياسين يقرأ ببطء رغم تركيزه

ياسين في السنة الثالثة. يجلس بهدوء ويحاول، لكن قراءة نص قصير تأخذ منه دقائق. يبدل الحروف المتشابهة ويخمن نهاية الكلمات. في البيت يتهرب من القراءة ويبكي أحيانا، لكنه يجيب شفويا بدقة.

التحليل: الجهد موجود والانتباه موجود، والعقبة في فك الرموز المكتوبة. هذا النمط يستدعي تقييما لصعوبات القراءة، لكنه لا يؤكدها. فقبل ذلك يجب فحص نظره وسمعه.

الحالة الثانية: سلمى تبدأ ولا تنهي

سلمى تقرأ وتحسب جيدا حين تُكلف بسؤال واحد. لكنها في الحصة تقف أثناء الشرح، وتجيب قبل أن يكتمل السؤال، وتنسى أدواتها، وتترك التمرين عند السطر الثالث. في البيت تحتاج إلى تذكير كل خمس دقائق.

التحليل: مستواها الأكاديمي سليم، والمشكلة في تنظيم الانتباه والاندفاع والاستمرار. غير أن هذا وحده لا يكفي للحكم، لأن القلق أو قلة النوم أو الملل قد تنتج سلوكا مشابها. ما يوجه نحو التقييم هو أن تتكرر الملاحظة في أكثر من مكان ولأشهر.

الحالة الثالثة: أمين تجتمع عنده الصعوبتان

أمين لا يقرأ بمستوى أقرانه، ويتحرك كثيرا ويقاطع في الوقت نفسه. المعلمة لا تعرف هل يتحرك لأنه يتهرب من القراءة، أم لأنه لا يستطيع الجلوس.

التحليل: قد يكون التفسيران صحيحين معا، وقد يتبين بعد التقييم أن أحدهما فقط موجود. لذلك يحتاج أمين إلى تقييم شامل يحدد مصدر كل سلوك، ثم إلى خطة تجمع بين دعم القراءة وتنظيم السلوك.

إرشادات عملية للمعلمين والأولياء

الإرشادات التالية تخص الحالتين السابقتين تحديدا. أما إذا كنت تبحث عن قواعد أعم في التعامل مع تنوع التلاميذ داخل القسم، فراجع مقالنا عن مهارات التعامل مع أنماط التلاميذ داخل الفصل، ثم عد إلى ما يلي للتفاصيل الخاصة بصعوبات التعلم وفرط الحركة.

مع الطفل الذي يعاني من صعوبة في التعلم

  • اقرأ له التعليمة بصوت عال وأرفقها بصورة أو مثال.
  • درّبه 10 إلى 15 دقيقة يوميا على مهارة واحدة، مثل التمييز بين حرفي (د) و (ذ)، بدل حصة طويلة مرة في الأسبوع.
  • امنحه وقتا إضافيا في الاختبارات، وصحح المضمون قبل الإملاء.
  • لا تطلب منه القراءة بصوت عال أمام القسم دون اتفاق مسبق معه.
  • احتفظ بنماذج من دفتره على مدى أشهر، فهي تفيد المختص أكثر من الانطباعات.

مع الطفل الذي يعاني من فرط الحركة وتشتت الانتباه

  • اجعل مقعده قريبا منك وبعيدا عن النافذة والباب.
  • أعطه تعليمة أو تعليمتين في كل مرة، واطلب منه أن يعيدها بكلماته.
  • قسّم الواجب إلى مقاطع، مثلا 10 دقائق عمل ثم دقيقتان استراحة.
  • أسند إليه مهام فيها حركة مفيدة، مثل توزيع الدفاتر أو مسح السبورة.
  • امدحه فور السلوك وبشكل محدد: «أنهيت ثلاثة تمارين دون أن تغادر مكانك»، بدل «أحسنت» العامة.

متى يُستحسن طلب تقييم من مختص؟

اطلب التقييم إذا استمرت الصعوبة نحو ستة أشهر رغم المساعدة، أو ظهرت في أكثر من مكان، أو بدأت تؤثر في ثقة الطفل بنفسه وفي حالته النفسية. ابدأ بالحديث مع المعلم ومدير المدرسة، ثم راجع طبيبا نفسيا للأطفال أو أخصائيا نفسانيا، ومختصا في تقويم النطق واللغة إذا شككت في صعوبات القراءة. وقبل ذلك افحص السمع والبصر. وسيفيد المختص أن تحمل معك ملاحظات المعلم وعينات من الدفاتر.

خلاصة المقال

صعوبات التعلم تخص مهارة أكاديمية محددة، مثل القراءة أو الكتابة أو الحساب. وفرط الحركة وتشتت الانتباه يخص الانتباه والنشاط والاندفاع، ويظهر في البيت والمدرسة معا. قد يتشابه سلوك الطفل في الحالتين، وقد يجتمع الاضطرابان عنده، والقرار النهائي يعود إلى مختص بعد تقييم كامل.

وقبل أن نصف طفلا بالكسل أو قلة الأدب، يفيد أن نسأل ما الذي يحاول أن ينجزه وما الذي يمنعه. درجة ضعيفة أو سلوك مزعج لا يحددان قدرات الطفل، ولا يبرران وصمه.

بقلم: علي الزاهد

مكتبتي العلمية
مكتبتي العلمية