دمج 12 ألف تلميذ من ذوي الإعاقة: الأسئلة التي لم تُجب عنها الوزارة

دمج 12 ألف تلميذ ذوي إعاقة في تونس: هل المدارس جاهزة فعلا؟

دمج 12 ألف تلميذ من ذوي الإعاقة

أعلنت وزارة التربية عن توجهها لدمج نحو 12 ألف تلميذ من ذوي الإعاقة داخل المؤسسات التربوية العادية. الرقم كبير، والقرار يحمل قيمة رمزية واضحة. لكن أي معلم عمل يوماً في قسم مكتظ يعرف أن المسافة بين "الإعلان" و"التطبيق" في منظومتنا التربوية غالباً ما تُقاس بسنوات لا بأشهر.

السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس "هل القرار جيد؟" بل "هل هيّأنا الأرضية التي سيُطبَّق عليها؟" لأن الدمج الحقيقي ليس مقعداً إضافياً في الفصل. هو منظومة كاملة: معلم مؤهل، فضاء يسمح بالتنقل، وسائل تعليمية مكيّفة، وامتحان لا يعاقب التلميذ على إعاقته.

ماذا يقول المنشور الرسمي فعلاً؟

قبل الحديث عن الثغرات، من المفيد معرفة ما تعهدت به الوزارات فعلياً. أصدرت وزارات التربية والشؤون الاجتماعية والصحة، في منشور مشترك يخص السنة الدراسية 2026-2027، إجراءات جديدة لتسجيل الأطفال ذوي الإعاقة بالمسار العادي. انطلق إيداع الملفات يوم 8 جوان 2026 لدى الإدارات الجهوية للشؤون الاجتماعية (تونس مباشر).

الفئات المشمولة محددة بدقة: الإعاقة العضوية، الإعاقة السمعية (بشرط استعمال آلة تعويضية)، ضعف البصر، الإعاقة الذهنية الخفيفة، اضطرابات طيف التوحد القابلة للتمدرس، وحالات تعدد الإعاقات القابلة للتمدرس. أما الفئة العمرية، فتشمل الأطفال بين 5 و8 سنوات للتسجيل بالسنة التحضيرية، وبين 6 و9 سنوات للسنة الأولى أساسي، مع إمكانية استثناءات تُعرضها اللجنة الجهوية للأشخاص ذوي الإعاقة (المصدر تونس).

ما يستحق التوقف عنده أن الوزارات الثلاث وزّعت الأدوار على الورق بشكل واضح: التربية تتعهد بتهيئة البنية التحتية وشروط النفاذ والتنقل، وإدخال التطويعات البيداغوجية، وتكوين المتدخلين. الشؤون الاجتماعية تتعهد بالتسريع في إسناد بطاقات الإعاقة وتوفير الآلات التعويضية والمساعدات المالية والنقل المدرسي المجاني للعائلات محدودة الدخل. الصحة تتعهد بالمواكبة الطبية (نسمة). التوزيع منطقي على الورق. الاختبار الحقيقي يبدأ في سبتمبر، حين يجلس أول تلميذ في قسم لم يُهيَّأ بعد.

ملاحظة إدارية مهمة: نظّم المنشور مساراً واضحاً للاعتراض: لولي الطفل عشرة أيام للاعتراض على رفض الدمج، وعلى اللجنة الجهوية البت في الاعتراض خلال خمسة عشر يوماً. أي أن عائلة قد تنتظر شهراً كاملاً بين تقديم الملف ومعرفة مصير طفلها الدراسي.

1. المعلم أمام تحدٍّ لم يُدرَّب عليه

التدريس لتلميذ من ذوي الإعاقة الحركية يختلف جذرياً عن التعامل مع طيف التوحد، وكلاهما يختلف عن صعوبات التعلم. المعلم التونسي اليوم، في غالبيته، لم يتلقَّ تكويناً أولياً في هذه المجالات، لأن البرامج الكلاسيكية لم تُصمَّم أصلاً لهذا الغرض.

في مقال نشرته "العربي الجديد"، تروي معلمة صف رابع أنها اضطرت لمراسلة مسؤولي الطب المدرسي بنفسها طلباً للمساعدة، بعدما لاحظت إمكانات كبيرة لدى تلميذين من ذوي طيف التوحد في قسمها. الباحث في علم الاجتماع منذر عافي يؤكد أن مدارس ابتدائية عديدة حاولت استيعاب هؤلاء التلاميذ منذ سنوات، لكن التجربة كشفت نقصاً واضحاً في التكوين البيداغوجي للمدرسين المكلفين بمرافقتهم (العربي الجديد).

هذه ليست حالة معزولة. هي الصورة النمطية لما يحدث حين تُلقى مسؤولية الدمج على كاهل معلم واحد، بلا مرافق مدرسي مختص (Auxiliaire de vie scolaire) وبلا تكوين مسبق. المنشور الأخير يتحدث عن "تكوين المتدخلين"، لكنه لا يحدد حجم هذا التكوين ولا مدته ولا عدد المعلمين المعنيين به قبل الدخول المدرسي القادم.

2. مدارس بُنيت لجيل آخر

أغلب المدارس الابتدائية التونسية شُيّدت في عقود سابقة، دون أي اعتبار لمعايير النفاذية. لا مسارات مائلة للكراسي المتحركة، ولا مصاعد، ولا مجموعات صحية مهيأة. تلميذ يُسجَّل في قسم بالطابق الأول من مدرسة بلا مصعد لن يعيش تجربة دمج، بل عزلاً داخل الفصل نفسه.

الأرقام الرسمية الدقيقة عن حالة البنية التحتية غير متوفرة للعموم، وهذا في حد ذاته مؤشر. تقرير أممي أشار قبل سنوات إلى وجود 327 مدرسة دامجة يقصدها 1497 تلميذاً من ذوي الإعاقات الخفيفة والمتوسطة، دون احتساب نحو 6 آلاف تلميذ مدمجين بشكل تلقائي بدون إطار خاص (العربي الجديد). هذه الأرقام قديمة نسبياً، لكن غياب بيانات محدّثة ومنشورة عن عدد المدارس المهيأة فعلياً اليوم يبقى في حد ذاته إشكالاً. كيف نخطط لدمج 12 ألف تلميذ دون معرفة كم مدرسة من أصل آلاف المدارس التونسية جاهزة لاستقبالهم؟

3. البيداغوجيا الفارقية في قسم من 35 تلميذاً

البيداغوجيا الفارقية، وهي تكييف طريقة التدريس مع الفروق الفردية بين التلاميذ، مبدأ سليم نظرياً. لكن تطبيقه في قسم يضم أحياناً أكثر من 35 تلميذاً يتطلب وقتاً وموارد لا تتوفر لمعلم وحيد يدير البرنامج الرسمي كاملاً.

المعضلة الأكبر تبقى في التقييم. إخضاع تلميذ من ذوي صعوبات التعلم أو الإعاقة الذهنية الخفيفة لنفس زمن الاختبار ونفس معايير التصحيح المخصصة لتلميذ عادي، دون تكييف حقيقي، يحوّل الامتحان من أداة قياس إلى عقبة إضافية. الامتحانات التكيفية (وقت إضافي، صيغ بديلة، وسائل مساعدة) موجودة كمبدأ في بعض النصوص، لكنها تبقى غير مُفعّلة بشكل موحّد وملزم في أغلب المؤسسات.

الفجوة بين النية والتنفيذ

ما يميز منشور جوان 2026 عن سابقاته أنه أكثر تفصيلاً على المستوى الإداري: آجال دقيقة، وثائق مطلوبة، مسار اعتراض واضح، وتقسيم أدوار بين ثلاث وزارات. هذا تقدّم حقيقي مقارنة بمنشور 2019 الذي اكتفى بالإشارة إلى "تهيئة" المدارس الإعدادية دون تفاصيل تنفيذية (المصدر تونس).

لكن الآلية الإدارية شيء، والاستعداد الميداني شيء آخر. اجتماع وزير الصحة بممثلي التربية والمجتمع المدني في أوت 2025 خلص إلى توصيات تبدو أساسية أكثر منها متقدمة: التنسيق بين المتدخلين، مرافقة فردية عبر برامج مكيّفة، تكوين مستمر للفرق الصحية والتربوية، وإنشاء قاعدة بيانات لمتابعة الأطفال المدمجين (كابيتاليس). إذا كانت قاعدة بيانات لمتابعة التلاميذ المدمجين لا تزال "توصية" في أوت 2025، فمن الصعب افتراض أنها أصبحت واقعاً تشغيلياً كاملاً بحلول الدخول المدرسي 2026-2027.

ما الذي يحسم نجاح هذا المشروع؟

دمج 12 ألف تلميذ ليس قراراً إدارياً معزولاً، هو مشروع وطني يحتاج تمويلاً حقيقياً وتنسيقاً يومياً بين وزارات التربية والصحة والشؤون الاجتماعية. النوايا موجودة، والنصوص التنظيمية تحسّنت مقارنة بسنوات سابقة. لكن بين النص والقسم الدراسي مسافة تُقاس بعدد المعلمين المكوَّنين، وعدد المدارس المهيأة فعلياً، وعدد الامتحانات التي كُيّفت بالفعل.

إن لم تُرفق هذه الخطة بميزانية معلنة وجدول زمني واضح لتهيئة المدارس وتكوين المعلمين، فإن "الدمج" يخاطر بأن يتحول إلى عبء إضافي، يتحمّل ثمنه التلميذ في قسمه، والمعلم الذي تُرك وحده أمام تحدٍّ لم يستعد له.

دمج_ذوي_الإعاقة_بالمدارس_التونسية

أسئلة شائعة حول الدمج المدرسي لذوي الإعاقة في تونس

من هم الأطفال المعنيون ببرنامج الدمج المدرسي؟

الأطفال الحاملون لبطاقة إعاقة سارية المفعول، من ذوي الإعاقة العضوية، أو السمعية (بشرط استعمال آلة تعويضية)، أو ضعف البصر، أو الإعاقة الذهنية الخفيفة، أو اضطرابات طيف التوحد القابلة للتمدرس، إضافة إلى حالات تعدد الإعاقات القابلة للتمدرس.

أين يودع ولي الأمر ملف طلب الدمج؟

يُودَع الملف لدى الإدارة الجهوية للشؤون الاجتماعية المختصة ترابياً، ويتضمن مطلب دمج موجهاً للمدير الجهوي، مضمون ولادة حديث، نسخة من بطاقة الإعاقة وبطاقة العلاج ساريتي المفعول، والملف الطبي للطفل.

ما هي الفئة العمرية المسموح بها للتسجيل؟

الأطفال بين 5 و8 سنوات للتسجيل بالسنة التحضيرية، وبين 6 و9 سنوات للتسجيل بالسنة الأولى من التعليم الأساسي، مع إمكانية استثناءات خارج هذه الشبكة العمرية بقرار من اللجنة الجهوية للأشخاص ذوي الإعاقة.

ماذا يحدث إذا رُفض ملف الدمج؟

يحق لولي الطفل تقديم اعتراض مدعم بمؤيدات جديدة خلال عشرة أيام من تاريخ الإعلام بالرفض، وتلتزم اللجنة الجهوية بالبت في الاعتراض خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداعه.

هل المدارس التونسية مهيأة فعلياً لاستقبال هؤلاء التلاميذ؟

لا توجد بيانات رسمية محدّثة ومنشورة تؤكد ذلك. آخر معطى موثق يعود لتقرير أممي رصد 327 مدرسة دامجة فقط، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جاهزية البنية التحتية لاستقبال 12 ألف تلميذ إضافي.

هل يحصل التلاميذ المدمجون على تكييف في الامتحانات؟

مبدأ الامتحانات التكيفية (وقت إضافي، صيغ بديلة، وسائل مساعدة) موجود في بعض النصوص التنظيمية، لكنه غير مُفعّل بعد بشكل موحّد وملزم في أغلب المؤسسات التربوية.

المصادر:

تونس مباشر، المصدر تونس، نسمة، العربي الجديد، كابيتاليس (روابط داخل النص أعلاه).

بقلم: علي الزاهد

مكتبتي العلمية
مكتبتي العلمية